قصه حبى الاولى

كانت تلك واحدة من جلسات هذا الشاب الثلاثينى, وذلك بعد شهور من الحديث والشد والجذب مع طبيبه النفسي, ولكنها كانت تلك هى الجلسة الأولى التى تدمع فيها عيونه و يتصلب وجهه بشده! , نعم, كانت تلك هى المرة الاولى منذ شهور التى يقرر فيها الشاب أن يجلس على أريكة الكشف ولا ينام مسترخيا كعادته.
كان شاخصا لصورة شهادة الدكتور المعتمدة المعلقة فوق رأسه على الحائط, لا يزيح عيونه عنها وكأنه يخشى التواصل البصرى المباشر, جلس بوضع التأهب والهجوم يسند كوعه على فخذه وذراعاه متقاطعتان ويداه ممسكتان بمفاتيحه, راسه مرفوع وعينيه الدامعة ناظره في العدم إلى تلك الشهادة, سكت الطبيب منتظرا بلهفة سماع صوت الشاب.
بدا الشاب بالكلام … كنت في الخامسة من عمرى مع والدتى على متن سفينة فى البحر , جز على اسنانه، كنا معتادين على السفر بالبواخر من حين لآخر , ولا أتذكر السبب ابدا, هز راسه مائلا إلى أحد كتفيه واكمل, فقد كنت صغيرا وقتها, لا أتذكر, رفع حاجبيه واكمل, لا استطيع ان اتذكر!!! امتلئت عيناه بالدموع وأكمل ولكن ما أتذكره جيدا ان البحر قد هاج فى تلك الليلة, نعم لم يكن حول الباخرة سوى السواد في تلك الليلة, هاجت الرياح وماجت وازداد الرعب بين المسافرين وإذ بنا نرى من شرفة الغرفه الدائرية الشكل أن المياه، قد دخلت السفينة اخذتنى امى بين أحضانها فزعه كنا وقتها فى غرفتنا!
مسح دمعه فاره من عيونه واكمل, انا لا اتذكر وجهها جيدا ولكنها كانت مرعوبه بشكل اخافنى بشده حتى ان استمتاعى بمنظر المياه على ظهر الباخرة والأمواج التي تنهمر الى السفينة بدأ يتلاشى بمجرد ان رايت الفزع فى عيون امي, اخذتنى امى وحملتنى وضمتنى كما لو انها تشعر ان تلك هى ضمتها الأخيرة, نظرت امى للأفق البعيد برعب مخيف وحينها ازداد فزعى و خاصة عندما وجدتها تسرع بي الى خارج الغرفه واذ بى ارى الهرج والمرج واسمع اصوات تستنجد, كانت تحملني في تلك الليلة…… رغم رفضها القاطع لحملى من قبل, مدعيه أنني قد كبرت واستطيع المشى الان بنفسى ….. وعلى الرغم من سعادتي حينها أنها قد حملتنى اخيرا.. الا اننى قد شعرت بالخوف الشديد فحملها لى يعنى أن هناك شيئا يحدث أكبر من عمرى بكثير.
هز الشاب يديه واحدثت مفاتيحه بعض الاصوات الخفيفه واكمل قائلا, المهم, …. بدأت الباخرة فى التخبط بشدة و بدأ الفزع بزداد و الماء تزداد داخل الباخره الى ان رأينا مراكب صغيرة فى البحر, استعادت امى الامل وهرعت الى احدى تلك المراكب, وبالفعل وصلت بى الى حافة الباخرة بعد جهد جهيد متحدية الزحام وهلع الركاب و الماء وحركه الباخره القوية و السريعة الغير مستقرة, وصلت و على وجهها ابتسامه امل اعطتنى السلام ولو كنت أدرك حينها أنه سلاما مؤقتا.
وعندما وصلنا الى حافة الباخره القريبه من حافة إحدى المراكب, اعطتنى امى لامراه اخرى وعندما استقريت على ذراع تلك السيدة حينها رايت امي تمسك الكتاب الذى كانت تحكى لى منه قصص قبل النوم, رايت امى عندما كانت تحاول جاهدة الوصول إلى المركب التي أنا على متنها ولكن الباخرة كانت تتحرك بجنون والمركب ايضا! فزعت وقتها, صرخت من أعماق قلبى الصغير صرخت وصرخت فالمركب تبتعد عن الباخره ! و امى تبكى وتصرخ فلم ارى وجهها بهذا الفزع من قبل فهمت بعقلي الصغير ان امى أضعف مما كنت أظن امى أراها ضعيفة! امى تنهار !
تعالى صوت الشاب المبحوح ونادى بأسى باكى….. امى ……. امى ……….. امى كانت تنهار امامى!
زادت الدموع فى عيونه وانهالت على وجهه وأكمل بإصرار وتحدى ولكنها لم تيأس بل وقفزت فى المياه لتصل إلى المركب التي أنا على متنها جميع من فى المركب مدوا ايديهم اليها لعلها تصل لهم …كانوا احيانا يلمسون اطراف اصابعها ويمدوا يدهم اكثر واكثر ليتمكنوا من يديها كان قلبى يتارجح كل مره بين اليأس والامل!……. ولكن هذا لم يحدث فلم يستطع أحد أن يصل الى يديها او يمسك بها ولكنها رمت الكتاب بكل قوتها على المركب قائلا بابتسامة, احتفظ بالكتاب معك يا بنى, كانت تلك ابتسامتها الاخيره لى قبل ان تبتلعها المياه!
قلبى الصغير كان ينبض بفزع، عيونى تبحث من وراء دموعى على امى اصرخ وانا ابحث بعيونى الصغيرة ارى اناس كثر من حولي يسبحون بأطواق النجاة …… ..وامى ؟! اين امى؟! اين هى ؟! هى ليست منهم ….. هى ليست معهم……. هي ليست معنا ……… هى ليست معى!!!
اختفت امى يا دكتور اختفت فى ثنايا البحر ولم اراها منذ ذلك الحين!
ابتسم الشاب من بين دموعه بكسل ولاول مره ينظر إلى الطبيب الذى كان ينظر إليه قدر المستطاع بعيون جامدة, واكمل قائلا!
اتعلم يا دكتور لم تنتهي المأساة عند هذا الحد! فقد فقدت الكتاب, ضاع الكتاب منى والى الان ابحث عن هذا الكتاب في المكتبات ولا استطيع ان اجده, أشعر بالغضب من نفسي ومنها ومن الظروف ومن الناس، حتى اننى مرات اتسائل هل ان وجدته بالفعل سأكون متاكد جدا ان كان هذا هو نفس الكتاب؟!
ضحك من وسط دموعه بصوت البكاء ونظر إلى مفاتيحه بيأس وقال إن قصة حبى الاولى لم تكتمل, ابحث عن هذا الكتاب لعلني اجد امى او رسائل من امى لى, حتى أشعر ولو للحظة أنني قد أكملت قصة حبى الاولى. ولكنى اعلم اننى لن اجد هذا الكتاب ابدا حتى و ان كان بين يدى.…